فخر الدين الرازي

54

تفسير الرازي

ثوابه وعلو درجته عن الله تعالى . فإن قيل : كيف كان وجيهاً في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام ، فكذا ههنا . المسألة الثانية : قال الزجاج * ( وجيهاً ) * منصوب على الحال ، المعنى : أن الله يبشرك بهذا الولد وجيهاً في الدنيا والآخرة ، والفراء يسمي هذا قطعاً كأنه قال : عيسى بن مريم الوجيه فقطع منه التعريف . أما قوله * ( ومن المقربين ) * ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها : أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وثالثها : أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى : * ( وكنتم أزواجاً ثلاثة ) * ( الواقعة : 7 ) إلى قوله * ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) * ( الواقعة : 10 ) . أما قوله تعالى : * ( ويكلم الناس في المهد وكهلا ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الواو للعطف على قوله * ( وجيهاً ) * والتقدير كأنه قال : وجيهاً ومكلماً للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية * ( إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) * الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال : * ( ويكلم الناس ) * فقوله * ( ويكلم الناس ) * عطف على قوله * ( إن الله يبشرك ) * . المسألة الثانية : في المهد قولان أحدهما : أنه حجر أمه والثاني : هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه : فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه وكان في المهد . المسألة الثالثة : قوله * ( وكهلاً ) * عطف على الظرف من قوله * ( في المهد ) * كأنه قيل : يكلم الناس صغيراً وكهلاً وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الكهل ؟ . الجواب : الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى : يضاحك الشمس منها كوكب * شرق مؤزر بجميم النبت مكتهل